عبد الملك الجويني

292

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقيل : استعصى الذبح على إبراهيم فذلَّلهُ الله بالأحجار على الجمرات ، فصار ذلك شعاراً متبعاً ، ومبنى الشرع على التيمّن والتأسي بشعار الصالحين ، من غير تتبع المعاني . 2635 - ومِما يتعلق بالرمل : أنا نؤثر الجمعَ بين الدنوّ من الكعبة وبين الرمل ، ولا ننظر إلى كثرة الخُطى فيمن يبعد من الكعبة ، وهذا متفق عليه . فإن عسر الرمل في زحمة الناس ، في القرب ، ولو بَعُدَ إلى الحاشية ، لا ستمكن من الرمل ، فالرمل في البعد أولى ، فإن القرب لا يبلغ مبلغ شعار مستقل . نعم لو كان يقع في صف النساء ، فتركُ الرمل أجدر به ؛ فإن الأمر يعظُم في هذا ، وينسب الرجل إلى ترك شعارٍ في الدّين كلِّي ، ولا يقع منه الشعار الجزئي موقعاً . 2636 - ولو ترك الرمل في الأشواط الأُوَل ، فأراد أن يتدارك في الأشواط الباقية ، لم يكن له ذلك ؛ فإن سجّية المشي في الأشواط الأربعة مسنونة ، كالرمل في الأشواط الثلاثة ، فلو تدارك الرمل ، لكان تاركاً سنةً ناجزة ، في تدارك شعارٍ فائت ، وليس هذا كإعادة سورة الجمعة في الركعة الثانية على ما سبق ذكرها في الصلاة ؛ فإن الجمع بين الجمعة ، وسورة المنافقين ممكن ، والجمع بين الرمل وسجية المشي غير ممكن . قال الشافعي : لو زُحم من لم يتمكن من الرمل أصلاً ، فحسنٌ لو [ أتى ] ( 1 ) بمحاولة الرمل متشبهاً بالرامل ، وهذا أصل ستأتي أمثلتُه في أمرنا مَنْ لا شعر على رأسه بالحلق متشبهاً بالحالق ، إلى غير ذلك . 2637 - ومن الشعار المرعي الاضطباع : وهو أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن ، ويعري كتفه الأيمن منه ، ويجمع طرفيه على عاتقه الأيسر ، كدأب ذوي الشطارة ( 2 ) . هكذا

--> ( 1 ) في الأصل : ايتى ( بهذا الرسم . ولعلها يأتي ، وفي ( ط ) : أشار . وهذا معنى كلام الشافعي وليس لفظه ، وإلا ، لصححناه منه . ( ر . المختصر : 2 / 77 ، والأم : 2 / 149 ) . ( 2 ) الشطارة الاسم من شطر ( المعجم ) . وظني أن المراد بذوي الشطارة هم الفتيان الذين كانوا يخرجون على قبائلهم في الجاهلية ، ويرفضون قيود المجتمع ، ويتمردون عليه ، ويرتبون جماعاتٍ وفرقاً للإغارة والهجوم على من يتهمونهم بالظلم والطغيان .